2- السؤال مفتاح المعرفة


- شوف، ماتخافش إنك تسأل، الحاجة اللي ماتعرفهاش أسأل عليها. وحتلقى الكل يجاوبك.
- حاجة تانية، ماتهابش، خش ع الخدمة وكلنا حنكونوا معاك.

وبدأت العمل معه، كان مهندساً مبدعاً متقناً لعمله، وكنت لا أكف عن سؤاله، والاستفسار. فهمت الكثير من الأشياء عن أنظمة الطائرات وتقنياتها، خاصة وإن كنا نعمل على طائرات صغيرة خاصة بالتدريب، وهذا منحني فرصة التعرف أكثر إلى الأساسيات والأنماط القديمة للتحكم بالطائرة.

كانت السيسنا (C402) هي أولى الطائرات التي عملت عليها، طائرة مزودة بمحركين مكبسيين، يدير كل منهما مروحة ثلاثية. ويمكنها حمل ثمانية ركاب. وكانت تعمل في أغراض التدريب، ونقل البريد من طرابلس إلى مدينة سرت (حيث مقر اللجنة الشعبية العامة).

عندما طلب مني المهندس رفع غطاء المحرك ارتبكت، كانت المرة الأولى لي للتماس مباشرة مع الطائرة، وكان هذا يومي الثاني في المطار، التفت إلي وقال:
- أنا طلبتلك قامجو من المخزن، ولما يجهز، بره باش تستلمه.

وأعطاني المفك، وأراني طريق فتح مسامير ضبط الغطاء، وبدأنا العمل برفع الغطاء العلوي، وانكشف المحرك عن داخله أمامي. كنت وجها لوجه مع الأنابيب والأسلاك، ولا أدري من أمري ولا أمرها شيئاً، كل ما أراه أمامي غريب عني، وحتى دراستي لم تتطرق إليه، التفت إلي المهندس وقلت:
- شن هذا؟

كان سؤالي يعكس جهلي التام بما أنا إزاءه. وكنت أقصده وأعرف إني جاهل، فلما أنكر والفرصة متاحة أمامي للتعلم، والمهندس كما يظهر لي متعاون، وبشهادة البقية يعرف الكثير. في هذه اللحظة استمعت إلى اسمي، كان فني المخازن ينادي علي لاستلام ملابس العمل.

- امشي استلم القاموجو، وغيّر، وتعالى باش نبدو.

بداية عرفني المهندس إلى المحرك ونوعيته (piston engine زي محرك السيارة)، والأجزاء الظاهرة أمامنا، وعلاقتها ببعض وكيف يعمل المحرك، والكثير من المعلومات، بلغة عربية وإنجليزية للقطع والمصطلحات الخاصة بوصف عمليات التشغيل. وطلب مني أن أقوم بتنظيف الجهة الخلفية من المحرك لبداية الكشف، وتم الكشف والفحص، وقرر المهندس تغيير أحد القطع، وكانت المرة الأولى لي لتغيير قطعة من محرك.

كنت قد بدأت أسأل كل من حولي من الفنيين والمهندسين، وأتابعهم وأشاركهم ما يفعلون وما يطبقون من فحوص وكشوف على الطائرات، لا أخاف من سؤالهم عن أي شيء صغر أم كبر، واكتشف إن المتعة في تسرب الوقود تحت الملابس، وملامسة الزيوت، واللعب بالشحم. كان ملمس الأجزاء الداخلية للطائرة يشعرني بنشوة لا توصف، صرت أبني علاقات خاصة مع الطائرات، ووقعت في حب الـسيسنا 5A-DHH، مقدمتها تذكرني بالبجع كيف يمد رقبته، وجناحاها الممتدان يؤكدان الصورة التي رسمت، خاصة عندما ترتفع عجلاتها عن الأرض طالبة السماء.
وعندما كانت تعود للموقف قريبا من حظيرة الصيانة، كنت أذهب إليها مباشرة، متحسساً أنفها، وجناحيها، ثم أدخل محاولاً عب ما يمكنني من رائحتها.

مر الشهر الأول هادئاً، علاقتي تتوطد أكثر بالزملاء، وصرت أندمج أكثر في العمل وأستمتع به، وعندما دخلت أحد الطائرات لإجراء الكشف الدوري، سلمني المهندس المشرف أحد أوامر العمل:
- هذا الجب كارد مش معقد.. وهو فيجول انسبكشن للنوز، العدادات. لو تبي أي عدة خودها من ورشة المعدات.

وفعلاً قدمت بإجراء الكشف، لكن بعد أن جهدت في قراءة أمر العمل وتفاصيله، والسؤال عن الكلمات، والمهندس المشرف يجيب، ويوجهني. وأنهينا العمل عند منتصف اليوم، وجمع المهندس المشرف بطاقات العمل (Job Cards)، وبدأ بمراجعة ما نفذ، وفجأة صاح باسمي:
- تعالى وقع.
- أوقع؟.. على ماذا أوقع؟
- عالخدمة اللي خدمتها.
- كيف؟
- كل واحد اخدم كارد ولا دار تشك، يوقع على الخدمة اللي دارها باش يتحمل مسؤوليتها.
- ؟؟؟
- يعني، إنت خدمت الكارد اتوقع عليه.

ومد لي القلم، ووقعت.


________________________وللحديث بقية.

تعليقات

‏قال may
السلام عليكم

انتظر الباقية التى كانت بدايتها ممتعة

وكلامك صحيح اخى

مش عيب نسئل المهم نتعلموا

لكن نبقى على جهلنا هذا العيب

ارجو ان لا يطول الانتظار للباقى

مى
‏قال Libyan-AME
شكرا أختي الفاضلة

أسعدني مرورك، واطلاعك، سأحاول ما أمكنني لملمة ذاكرتي، والمتابعة

لك خالص الود
‏قال دمعة عمر
ليس من العيب السؤال
انا تعلمت الصيانة على يد فنى وليس مهندس
الله يرحمه
من الصعب ان تجد مهندس معك بالعمل يساعدك فى التعلم
وذلك من واقع خبرتى
لم يساعدنى مهندس واحد فى اكتساب الخبرة
بل من اول يوم وجدتهم يحاربونى وبأى طريقة يحاولوا تصيد الأخطاء مع أنى كنت لسه متخرجةمن الهندسة
ربنا وفقك فعلا أنك لاقيت مهندس يساعدك
وقيك الخير ياأخى لأنك تذكرت حسن صنيعه
تقبل تحياتى
أختك
عالم الطيران
‏قال Libyan-AME
أختي عالم الطيران
مرحباً بك هنا، في مدونتي البسيطة

هو كما تقولين، لكن في كل مكان ثمة الجيد وغير الجيد، ثمة من يساعدك، وثمة من يتصيد الأخطاء، والأدهى أن تجدي من يوهمك بالمساعدة بينما هو يحفر لك لتكون سقطتك مميتة.

لكن المفروض أن نستفيد من أخطائنا ومما يتاح من فرص.

شكرا لمروك
وأتمنى أن يتكرر


تحياتي