الكابتن "علي الزرقه" وهبوط بمنظومتي عجلات - 1978

بداية نبتهل بالدعاء للطيار "علي الزرقة" بأن ينعم الله عليه بالشفاء العاجل

كما نتمنى من شركة الخطوط الليبية، أن تقوم بدورها تجاه أبنائها الذين بذلوا العرق من أجلها، ولم يتخلوا عنها ساعة العسرة



هنا نعيد للأذهان ما قم به الكابتن "الزرقة" في العام 1978 بمطار روما وإنقاذه لـ133 راكب إضافة لطاقم الطائرة. حيث نعيد نشر الحوار الذي إجراه الكاتب "حسين المزداوي" والذي تفضل مشكورا بتزويدنا به. كما نضمن مجموعة من الصور الخاصة بالحادثة زودنا بها الكاتب "عبدالعزيز الرواف".

الجدير بالذكر أن الطاقم الذي قاد هذه الطائرة يتكون من:

الكابتن علي أزرقة


مساعد الكابتن حسن طلوبة

المهندس الجوي خليفة اعبيدة

رئيس طاقم الضيافة الجوية صالح الكيش

وبذلك الوقت بالسبعينات كانت المضيفات مختلطات مصريات ومالطيات وغيرهن.

والله من وراء القصد

* *(-)* *-*-* *(-)* *

ثلاثون عاما على حادث روما:

كيف حط الكابتن الليبي علي الزرقة بطائرته في مطار روما (بعجلتين فقط)؟

حسين المزداوي

ليبيا اليوم: 29/09/2008

ما قصة المناكفة العفوية والأخذ والرد بين الطليان والليبيين في موضوع الطيران؟ وكيف هبط الكابتن الليبي (علي الزرقة) بطائرته على مدرج مطار روما بعد أكثر من خمسة وستين عاماً منذ أول تحليق ايطالي فوق ليبيا، بل أول تحليق في كل من قارتي أفريقيا وآسيا كليهما؟

ولو كانت عجلة التاريخ ترجع إلى الوراء لنتعرف على شعور النقيب الايطالي (بياتسا) وهو يشاهد أبناء أولئك الليبيين الذين جاء لاستئصال شأفتهم وهم يهبطون بطائراتهم بمطار روما بشكل لا يخطر له ببال، ويسطّرون ملحمة جديدة في سجل الطيران في العالم؟

فعندما قام النقيب بياتسا يوم السبت 21 أكتوبر 1911بتحليقه التاريخي بطائرته الصغيرة نوع (بليريو رقم 1) وهو يشاهد الليبيين في إطلالته المزهوة تلك بأسمالهم البالية، وهم على الدواب أو حفاة يدبون على وجه الأرض، هل كان يتصور يوماً أن أحداً منهم سيركب طائرة مجرد ركوب، فضلاً عن أن يقودها، أو يتصرف تصرف (الرجال) فوق عاصمة الإمبراطورية الرومانية في موقف حرج مميت بل في (مفزعة) مثلما فعل الكابتن علي الزرقة عام 1978 وهو يقود طائرة بوينغ 727 مدنية، وعلى متنها 133 نفساً بريئة خائفة تبتهل إلى الله أن ينقذها من هذا المأزق ويفرج عنها كربتها، وتتطلع هلعة بدمعة الرجاء إلى هذا الطيار وزملائه أن يعملوا جهدهم، وعلمهم، ومهاراتهم ليعملوا المستحيل، وتنزل الطائرة المعطوبة بسلام.

يوم الثلاثاء 7 فبراير 1978، أي قبل أكثر من ثلاثين عاماً كان الكابتن (علي الزرقة) وزملاؤه في الطاقم الجوي الليبي يقودون طائرة مدنية قادمة من بنغازي متجهة شمالاً وهم عال العال... ولكن شيء ما حدث كاد أن يتسبب بكارثة.. فماذا حدث.. ما هي تفاصيل القصة؟

لأجل كل تلك الأسئلة ولتفاصيلها، ومن أجلكم أنتم لتستعيدوا الذكريات، وتعرفوا الحقيقة، وتتلمسوا بعض نجاحات أبناء هذا الوطن التقيت بالكابتن علي الزرقة بعد أكثر من ثلاثين عاما على ما أسميه (ملطم) روما:

- سلامتك كابتن علي.. ما القصة؟

- كنا في رحلة الخطوط الجوية العربية الليبية رقم 104، من بنغازي إلى لندن عبر روما، بالطائرة بوينغ 727.

- باهي يا سيدي.

- بعدما دخلنا الأجواء الايطالية وقبل بداية الهبوط، اختفى من الطائرة الهيدروليك الرئيس (A) وتبدد زيته بالكامل، فقد اتضح أن خرطوم زيت الهيدروليك (طوبو الزيت) تمزق تحت ضغط (3300) ونحن في أعالي السماء.

- يا حفيظ !

- عند ضياع الهيدروليك تصبح هناك حالة طوارئ للطائرة، ولكننا واصلنا محاولة معالجة الموقف.. فحسب الإجراءات المتبعة في الهبوط يتم إنزال العجلة الأمامية، ثم الخلفية اليمين، ثم اليسار.. الأمامية والشمال نزلتا، ولكن العجلة اليمين لم تنزل... ومع ذلك وعملياً فهذا العطل لا يؤثر في هبوط الطائرة، بدون الهيدروليك تستطيع أن تقوم بإجراءات معينة حتى تنزل عجلات الطائرة يدوياً كما هو معروف، ذهب مهندس الطائرة إلى مكان العطل ووجد مفصل العجلة ملتصق لا يمكن فتحه، هناك تعليمات في كتاب الطائرة تقول بجذب الطائرة ضد الجاذبية (أي نفض الطائرة في حركة معينة) كأحد الحلول فربما يفك الالتصاق، ونتخلص من المشكلة ولا فائدة، طبقنا كل التعليمات، وقمنا بجميع المحاولات ولكن (ما صخّرش ربي).. لم يبقَ أمامنا أي مجال إلا رحمة الله..

- يا ساتر!.. كم كان معكم من الركاب؟

- كان معنا 133 راكباً، منهم بعض الأطقم الجوية ذاهبون إلى لندن وروما، وأضاف:

- عندئذ ابلغنا روما بما حدث، وتخلصنا من الوقود، ولم نترك منه إلا شيئاً بسيطاً يكفي فقط لتشغيل المحركات حتى هبوط الطائرة.

- والركاب ماذا كان موقفهم؟

- أحضرنا رئيس طاقم الضيافة الجوية، وأبلغناه بالخطوات التي ستحدث.

- كيف؟

- في مطار روما يوجد مدرجان.. طلبنا المدرج الأطول بحيث لا تكون أمامنا أية حواجز أو أشجار أو غيره، نحن كنا متوقعين أن تجنح الطائرة إلى اليسار بعد هبوطها، ولذلك أخذنا احتياطاتنا.

قبل أن أسأله السؤال التالي تصورت الموقف في ذهني، وتصورت صعوبته، ليس الدم هو الذي سيهرب في هذه الحالة من الوجوه، سيهرب كل شيء، الهدوء، التفكير، الكلام، وحتى الرجولة التي هي سيد الموقف.. لقد حدثني أحد الأخوة المتقاعدين من أطقم الضيافة الجوية أن الكابتن (محمد كريمة) عندما كان يدرّب الكابتن علي الزرقة على قيادة البوينغ 727 قدم له نصيحة ثمينة أثناء التدريب، وهي أن يتمالك أعصابه في الحالات الحرجة، ويتصرف برجولة وبثبات.. فمخاطرة أن تقود طائرة وبها كل تلك الأرواح الهلعة، وبتلك السرعة والحمولة (طوبو يهف في الهواء) شيء إذا فكرت فيه ستصاب بالبكم، ولكن الرجولة المتسلحة بالعلم والتدبر ومواجهة الشدائد والشجاعة في اتخاذ القرار سيكون لها الشيء الكثير في إنقاذ الموقف.. كان لسان حال الموقف يقول:

أقول لها وقد طارت شعاعاً من (الأجواء) ويحكِ لن تراعي

- كيف خطرت على بالكم فكرة إنزال طائرة وبها هذا العدد من الركاب على (عجلتين فقط) وتحت أي قاعدة علمية أو نظرية احتمالية قمتم بهذا العمل؟

- نزلنا بشكل (عادي) مثل نزول أية طائرة عادية.. أستطيع أن أقول إنني استخدمت (مهاراتي) ونزلنا بهدوء حتى لا يحدث أي (خبط) للطائرة حال وصولها إلى الأرض، حتى إنني أتذكر أن النساء انطلقنا يزغردن، ولكن أحد أفراد الطاقم بعد وصول الطائرة إلى الأرض مباشرة قال لهم:

- ما زال.. ما زااال.. توا بتطيح على الجناح.

- فانقلب الفرح إلى مأتم وأخذن يصرخن، واستمرت الطائرة في سيرها على الأرض ثم اتكأت على الجناح... الجناح خبط في الأرض فجنحت الطائرة.. بعد النزول كانت المطافئ جاهزة، عند ذلك تم إنزال الركاب من مخارج الطوارئ.. لم تحدث أية شرارة ولا غيرها، ولم ينجرح أي راكب، وهبطنا بسلام والحمد لله.

- ألم يصب أحد من الركاب بأذى؟

- لم يصب أي راكب، بل بالعكس كانت معنا سيدة، وكانت رجلها في الجبس، وبعد أن خرج الركاب رأيتها وهي تجري كالغزال، وكأنها ليست مكسورة، الحمد لله نجانا الله. وهذه كانت أول حادثة في تاريخ طائرات البوينغ على الإطلاق، وبهذه الصورة؟

- هل تتذكر أعضاء الطاقم الجوي الذين كانوا معك في هذا الحادث؟

- أنا كنت الكابتن، وكان مساعد الكابتن (الكابتن حالياً حسن طلوبة) الذي كان يشتغل على الفوكر، ثم جاء مساعد كابتن على البوينغ، أما المهندس الجوي فقد كان كبير المهندسين الجويين (خليفة اعبيدة).

- وطاقم الضيافة؟

- أتذكر أن رئيس طاقم الضيافة الجوية كان (صالح الكيش) وفي ذلك الوقت - في السبعينات - كانت المضيفات مختلطات مصريات ومالطيات وغيرهن، فلا أتذكر أسماءهن.

- إلى أي مدى استفاد طيارو البوينغ أو شركتها مما حدث لكم؟

- لا أعلم عن هذا الأمر، ولكن ربما الصيانة استفادت من هذا الخطأ، فقاموا بتجارب معينة أو غيّروا نوعية الأجزاء التي التصقت.. لأن هذه الطائرة كانت في باريس قبل الحادثة - ربما بأسبوع - تقوم بعملية فحص (تشِك) ممكن أعضاء فرق الصيانة في باريس انتبهوا إلى خطأهم، والله أعلم.

- هل قام مطار روما بأي إجراء؟

- لقد جاء المسؤولون الطليان واستقبلونا استقبالا جيدا، واحتفوا بنا، دخلنا إلى الصالون وكان (مليان) جاء رجال الجوازات والجمارك والأمن والسلامة وكافة الأجهزة في المطار، وهنئونا على السلامة، وعلى هذا العمل الرائع وغير المسبوق الذي قمنا به، وقالوا إنها أول مرة تحدث بالنسبة لهم، واحترمونا، وأتذكر ممثل البوينغ في أوربا وهي شركة أمريكية، حضر لنا خصيصاً، وسلم علينا، وهنأنا بالسلامة في اليوم نفسه الذي وقعت فيه الحادثة.

(لا شك أن هذا الموقف غيّر من الصورة السيئة التي كان يحملها بعض الطيارين الأوربيين عن الطيارين العرب: (جمل يقود طائرة)).

- والسفارة الليبية ماذا كان موقفها في ذلك الوقت؟

- أنا لم أر منهم أحداً (ربما حضروا) ولكن أنا لم أر أحداً منهم.

- وماذا كان موقف العمليات في طرابلس؟

- كان مدير العمليات في ذلك الوقت الكابتن محمد كريمة (الله يذكره بالخير) عندما جاءت رحلة طرابلس إلى روما في اليوم نفسه، جعلني أنا من أقوم بقيادتها والرجوع بها، كنوع من الامتنان، وحتى أتخلص من تبعات الموقف النفسية.

- وهل كان لهذا الحدث أصداء في وسائل الإعلام والجهات ذات العلاقة والاختصاص؟

- بعد ما سمعت مدرسة أكسفورد للطيران التي درست فيها بالحادث الذي وقع لي، وكان مديرها (المستر كلاكستون) وهو من طياري الحرب العالمية الثانية، اتصل بالطلبة الليبيين الموجودين في المدرسة في ذلك الوقت، وكانوا مجموعة كبيرة، وأحضر لهم صورتي، وقال لهم مفتخراً إنه أحد الطلبة الذين درسوا وتخرجوا من هنا، كان يرى في نجاحنا نجاحاً لمدرسته التي تعلمنا فيها.

- وهنا في ليبيا ماذا عملوا لكم بعد رجوعكم مباشرة.

- والله ما داروا حتى حاجة.. هنا بعد أيام أرسل الطيران المدني واحد انجليزي للتحقيق معي.

- هذا لإقفال الملف من الناحية القانونية.

- نعم ليقفل الموضوع.. ولكن أذكر أن شركة ليبيا للتأمين بعدما اكتشفوا أن (المينيموم دمج) كما يقولون، وكانوا متوقعين أن مثل هذا الحادث سيكلفهم خسائر كبيرة، وعندما اطّلعوا على تفاصيل الموضوع أعطوني ألفي دينار، بعد ذلك قامت الخطوط الجوية العربية الليبية أيضاً (بعد أن خجلت من نفسها) وأعطتنا ألفي دينار.

- ووسائل الإعلام الليبية كيف استقبلت الحدث؟

- الإعلام الليبي لم يعطنا حقنا، خبر صغير في صحيفة الفجر الجديد، أما التلفزيون المالطي والايطالي والانجليزي وغيرهم فقد تناولوا الموقف حسبما ذكر لي الإخوان، ومعنا جماعة شاهدوا التلفزيون المالطي الذي بث برنامجاً عن الحدث، أنا شخصياً عندي بعض الصور عن الحادث، ولكن في إذاعتنا لم يتم تناول الموضوع.

- الم تستضِفك المرئية أو المسموعة أو الصحف والمجلات الليبية؟

- لا لا.. أبداً أبداً.

- ربما طبيعة عملكم دائما مشغولين وفي الجو.

- لا لا لا، لا تلفزيون، ولا مجلة، ولا جريدة، ولا فيه واحد جاء وقال يا جماعة على سلامتكم، أو أجرى معنا مقابلة أو غيره حول هذا الحادث. حتى مقابلة صحفية أو إذاعية جيدة مثل بقية الناس لم تجرَ معنا، والزملاء قالوا لي كيف حتى مقابلة لم تُجرَ معك.. قلت لهم ماذا أعمل؟.. نعديلهم ندق عليهم نقول لهم اجروا مقابلة معاي؟ ونحن نرى العديد من الجهات وهي تكرم المواطنين، وأنا شخصيا (نسوني بلكل).

أما بعد... عدت إلى الأرشيف وبحثت، ووجدت خبراً صغيراً في الصفحة الأولى من صحيفة الفجر الجديد نشر بعد أسبوع من الحادثة، تحت عنوان (تكريم طيار ليبي متفوق) وقلت في نفسي كيف يقول لي السيد الزرقة لم يكرمونني، والخبر يقول بالتكريم، وعندما وصلت إلى قراءة الخبر حتى نهايته عرفت أن التكريم كان في مطار فينسيا بروما، ولم يكن في أي من مطارات ليبيا.

- هل حدث لك في تاريخك موقف مثل موقف روما، أو هل حدث لأي من زملائك في الخطوط الليبية مثل هذا الموقف؟

- لا لا، موقف عدم نزول (العجلّ) لم يحدث لأحد، واحد انجليزي منذ شهور قليلة مضت في طائرة صغيرة حدث له الموضوع نفسه إحدى العجلات لم تنزل من مكانها، عملوا له (هليلة).. تلفزيون.. وصور.. ومقابلات، ومن ضمنها عندنا دكتور ليبي في الطيران اسمه المرغني مقيم في بريطانيا بعث لي برقية بالخصوص، وقال إن هذا الموضوع ذكره بموقفي في روما.

- هذا موقف غير عادي بكل تأكيد ما تأثيره على حياتكم.. موقفكم في الحياة.. هل حدث أي تغيير في حياتك بعد الحادث، على مستوى الإيمان أو الاعتقاد؟

- نحن دائما متمسكون بالله سبحانه وتعالى دائماً وأبداً، طبعاً حدث تغيير، وفي مثل هذه المواقف لا أحد ينقذك منها إلا الله، في مثل هذا الموقف يتمسك الإنسان بالله.. اللهم لا ملجأ منك إلا إليك، وقد وفقنا الله، وهذه أحسن جائزة تحصلت عليها أن الله نجاني ونجى الركاب معي.

- من كان مدير شركة الخطوط في ذلك الوقت؟

- كان المرحوم حسن الكونياني، على ما أذكر.

- نرجع إلى حياتك.. أين تعلمت في مراحل دراستك الأولى، ما الذي جاء بك إلى الطيران، نريد أن نتعرف على أسرتك، ونعرف من أنت؟

- اسمي علي محمد بوبكر ازْرقة (بدون تعريف) ولكن اشتهرت باسم (علي الزرقة) على لهجة مغرّب، درست الابتدائي في توكرة (العقورية حالياً) فأنا من البراغثة، ثم انتقلنا إلى بنغازي، ودرست الإعدادية سنة واحدة في مدرسة الأمير، ثم انتقلنا إلى المدرسة الثانوية (التي تسمى الآن شهداء يناير) عند بداية افتتاحها عام 1963 تقريباً، فدرسنا فيها ثاني إعدادي وثالثة إعدادي، ثم الثانوية.. بعد الثانوية درست عامين في كلية الاقتصاد والتجارة.

- إذن ما الذي جاء بك إلى الطيران.. هل هي رغبة من الصغر.. هل هو توجيه من العائلة، أم ماذا؟

- منذ أن دخلت الجامعة الليبية في بنغازي التي درست بها سنتين في كلية الاقتصاد والتجارة دخلت فكرة الطيران في رأسي، فالتحقت بمدرسة الطيران بأكسفورد ببريطانيا سنة 1971، وتخرجت منها عام 1972، حيث درست فيها سنة واحدة وبضع شهور.

- ما أنواع الطائرات التي اشتغلت عليها؟

- أول ما اشتغلت على الفوكر 27، ثم انتقلت إلى البوينغ 727، التي أصبحت كابتن فيها في شهر 4/1977، كما قمت بقيادة بوينغ 707، والآن أقود ايرباص 300 التي جئتَ فيها معنا من القاهرة.

كنت راجعاً في إجازتي السنوية (للتمتع بها في طرابلس) عن طريق القاهرة، وعندما سمعت باسم قائد الطائرة الذي ركبت معه عدة مرات قبل هذه المرة، رجعت بي الذكرى إلى عام 1980 على ما أذكر، حيث سمعت لأول مرة بموقفه هذا من جارنا القديم ومخزن الحكايات الصديق (العابد حنيتيش) كنا متحلقين حوله في إحدى المناسبات، وهو يحدثنا عن تفاصيل هذا الموقف، وكيف أثار إعجاب الطليان والأوربيين عموماً، وكيف أنهى به مقولة (جمل يقود طائرة) فاختزلت هذا الحدث في ذهني ما يزيد عن 28 عاماً، حتى أطللت عليه في كابينة القيادة، وحددنا موعدا لهذه المقابلة، الذي كان في مقر إدارة العمليات الجوية بطرابلس.. عدت من أفكاري، وسألته:

- وأسرتك؟

- والدي كان موظفاً بسيطاً في البلدية، وهو من المجموعات التي أخذتهم ايطاليا لحرب الحبشة أواسط الثلاثينات وكان متزوجاً من اثنتين: والدتي رحمها الله وأخرى، وعندي مجموعة إخوة بينهم المدرس والدكتور.. الخ

- وأسرتك الصغيرة؟

- عندما وقع لي الحادث كنت أعزباً لم أتزوج بعد.. والآن والحمد لله عندي ثلاث أولاد وبنت واحدة: هيثم متخرج من قسم الكمبيوتر بكلية العلوم، وحمزة في الفصل الأخير في كلية الهندسة، وزيد في الفصل الثالث في كلية الهندسة، أما الصغيرة (ريحان) فتدرس في الصف الأول الثانوي.

- ألم يهتم أي منهم بتخصص والده، ويرغب في احتراف الطيران؟

- هم يتمنون.. عندهم رغبة عارمة بطريقة لا تتخيلها، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة.

- كيف؟ ووالدهم يعمل منذ فترة طويلة في هذا المجال، وقدم للمجتمع خدمات جليلة؟

- نعم، التحاق أي منهم بالطيران حلم ورغبة.

وحتى أبتعد به عن هذه الغصة التي نبشتها في هذا الوقت وأنا لا أدري، غيرت الحديث وسألته:

- على فكرة.. هل لك علاقة بقراءة الآداب، وهل تعرفت على نتاج الأدباء الليبيين، أو الأدب العالمي من شعر وقصة ورواية وغيرها؟

- لا يوجد وقت عندنا لقراءة الأدب، والقراءة عندي لملاحقة ما يستجد في موضوع الطيران، لأن الطيار مثل الطبيب لابد أن يتابع تخصصه.. تنفس متنهدا، وأضاف بحرقة: الحصار دمر القدرات ودمرنا نفسياً، الخطوط الليبية ما دمرها إلا الحصار.

- لكن الآن هل تحس بانتعاش الخطوط الليبية؟

- بسيط، وليس كما ينبغي، إلى الآن لم نلاحظ اهتماماً ملحوظاً بالخطوط الليبية من الجهات العامة.

- ما هي المعضلات التي تواجهكم كطيارين ليبيين؟

- حقنا مهضوم، لو أقول لك تستغرب.. عندنا زملاء طيارين ذهبوا إلى الخطوط (القطرية) وغيرها يتقاضون ما بين 15 – إلى 20 إلف دولار، ونحن نأخذ بين 700 إلى 800 دولار، واللي يخدم كويس يأخذ ألف دولار.. حرفتنا حرفة جميع المخاطر فيها، والذي يعمل فيها ينقطع حتى على علاقاته الاجتماعية، ومع ذلك حقنا مهضوم.

- هذا من ناحية المرتب، ولكن من نواحي أخرى هل لديكم بعض الامتيازات، هل لديكم نادي للطيارين مثلاً؟

- لا لا، هذه حاجات يعتبروا فيها حاجات ثانوية.. الله غالب.

- الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على هذا الحادث، وأكثر من 37 سنة طيران، كيف تستطيع من خلال تجربتكم تلخيص موضوع الطيران في ليبيا.. صحيح قرّبتم الناس إلى بعضهم البعض، وطويتم المسافات، ونقلتم المرضى والضيوف والشخصيات، ولكن ماذا بعد؟

- الخطوط الليبية في السبعينات تحصلت على جوائز: جوائز في الوقت، وجوائز في الخدمات، وقمنا بخدمة أهالينا.. في سنة من السنوات احدي الشركات البلغارية (تقريباً) تركت الحجاج، فقامت الخطوط الجوية وطياروها بعمل شاق حتى استطاعت القيام بالمهمة بنجاح رغم ارتباطاتها الأخرى.

- ولكن حصار السنوات السبع دمر هذه الخطوط؟

- دفعتي أنا تقريباً كلهم برا، ذهبوا ليبحثوا عن حاجة يعيشون بها.. لأن مرتباتنا تعبانة تعبانة، أنا أذكر عندما أحضرنا البوينغ، أحضرنا معها طيارين أمريكان، كان الطيار الأمريكي في ذلك الوقت يتقاضى ستة آلاف دولار، ونحن نتقاضى 400 دولار في الوقت نفسه.. نحن ما حدّش راعانا بلكل، وما قلنا شيء لأننا نريد أن نخدم وطننا.. الطيار الأمريكي يبقى سنة.. سنتين، ثم يرجع إلى بلاده، لكن نحن هذا وطننا.. الخطوط الليبية من المواقع المتقدمة التي أصبحت ليبية بالكامل في عام 1975.. طيارين.. مهندسين.. الصيانة إلى حد ما بالتعاون مع الفرنسيين، تم تلييب الشركة، وجعلناها ليبية قبل أي موقع آخر في ليبيا.

- ثم حدث انهيار بالذات بعد الحصار؟

- الطيار نفسه على المستوى النفسي لابد أن يطير ولو لمسافة قصيرة (علقت أنا: تنبت له جنحان) ولا يستطيع أن يبقى بدون طيران.

كنت ألملم الحديث لأنهي المقابلة، وأطمئن هذا الكابتن الشجاع الذي ذهب بريق عمله الذي نستطيع وصفه بالبطولي، وذهب تكريمه في زحمة الأحداث والانشغالات، وتم تناسيه تماماً، رغم زحمة التكريمات أيضاً التي وصلت إلى بعض من لا يستحقونها وأحياناً بالعارف وللمعارف، ولكن تكريمه الحقيقي أن عمله باقٍ في ذاكرة التاريخ، وفي أرشيف الطيران، وفي دعوات ركابه وأسرهم، وفي سجل شجاعات الليبيين الذين برزوا في السلم وفي الحرب أيضاً، فعندما كان النقيب بياتسا وزملاؤه الطليان يسجلون أرقامهم في ذاكرة تاريخ الطيران وعلى رؤوس الليبيين، فمثلا في 23 أكتوبر 1911 قاموا بأول رحلة استطلاع عسكرية في العالم على مواقع العدو (الذين لم يكونوا سوى المجاهدين الليبيين)... استطلاع قام به بياتسا سالف الذكر نفسه، كما قام أيضاً بأول تصوير عسكري جوي في العالم يوم 24/1/1912 وكان فوق الأراضي الليبية أيضاً وللفتك بالليبيين، ومع هذا لم يقف الليبيون مكتوفي الأيدي، بل سجلوا نصراً وسجلوا رقماً، وأسقطوا أول طائرة في العالم تُسقط في الحرب، كان يقودها النقيب الايطالي (مويزي) وكانت من نوع نيوبورت، وكان قادماً بها من زوارة مساء يوم 10/9/1912، أسقطوها غرب طرابلس قرب منطقة صياد بجنزور، لقد بقي مويزي في الأسر حتى 11/11/1912 حيث تم تسليمه إلى الجانب الايطالي بعد مفاوضات بشأن تبادل الأسرى، ولم يجهز عليه (هؤلاء البدو الهمج، كما يصفهم الطليان) بل قدموا صورة حضارية مدنية رغم الفقر ورغم ضراوة الحرب ومآسيها، فهل يكرر أبناء هؤلاء (البدو) هذه الصورة الإنسانية الحضارية، ويسجلوا موقفاً اعتذارياً بسيطا ويراجعوا أنفسهم، ويردوا الاعتبار لأحد أبنائهم المخلصين، ونرى يوماً يكرم فيه الكابتن علي الزرقة وزملاؤه التكريم اللائق، وتكرّم الخطوط الجوية بإعادة الاعتبار إلى كيانها وطياريها وجودة خدماتها، لتقف كما كانت دائماً في المقدمة في الصف الأول، ولسان حالها يقول: سبقتونا، فلحقناكم وسبقناكم.

* *(-)* *-*-* *(-)* *

مجموعة من الصور الخاصة قمنا بالحصول عليها من صفحة الكاتب "عبدالعزيز الرواف" بعد موافقته.



الكابتن علي الزرقة



الطاقم











تعليقات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بادرة طيبة وجميلة
كي لاننسى من عرق من كانوا اساسا لأي نهضة قد يراها البعض اليوم جاءت هكذا
.. حتى دينيا
فهؤلاء وامثالهم في كل مناحي النقل والتسفير بحرا وبرا وجوا قد سهلوا على الناس حتى تعظيم شعائر الله واداءها .. ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب..
جزاهم الله عن الناس خيرا
وان ضاع الوفاء من البشر
فعند الله لايضيع شئ
والله يحب من اتقن عمله
وهم أتقنوا عملهم
والواقف في عمله يتساوى مع الساع بين الصفا والمروة
جزاهم الله خيرا
وتحياتي لك على هذه البادرة الطيبة
ومش غريبة عليك
فأنتم للاحسان اهل
‏قال Eng.Ramez Enwesri
بارك الله فيك أخي علي وعلى ما أفضت من عذب الكلام.



تحياتي
‏قال غير معرف…
I join rre-aviation.blogspot.com. It was and with me. Let's discuss this question.