الأجنحة المتراجعة والمتقدمة

الأجنحة المتراجعة والمتقدمة
Swept back and Forward-swept wings







أحد الأخوة* مر بمدونتي وترك استفساراً عن غرابة شكل الجناح الخاص بالمقاتلة الروسية SU-47، وسماه الجناح المعكوس. وسأحاول الإجابة عن هذا السؤال بشيء من التفصيل حتى تصل المعلومة بشكل واضح.




قد يعتقد الكثير من الناس إن محركات الطائرة هي من تمكنها من الطيران والتحليق، لكن الحقيقة تخالف هذا الظن، فلو ثبتنا هذه المحركات على أي جسم آخر لما تمكن من الطيران، فالمحرك سيدفع بالجسم إلى الأمام فقط دون رفعه عن الأرض إلا لو تم توجيه الجسم للأعلى.


فما هو الجزء أو الأداة التي تمكن الطائرة من التحليق؟
قد يستغرب البعض هذا، لكن الجناح (Wing) هو الجزء الموكل إليه إنتاج القوة اللازمة لرفع الطائرة، قوة الرفع (Lift Force)، والتي تنتج عن مرور الهواء على الجناح، أو اندفاع الطائرة بواسطة المحرك خلال الهواء. قوة الرفع هذه تعمل على الحفاظ على الطائرة محلقة (أو معلقة). ولا أدل على ذلك، تمكن الطائرة من التحليق أو الانزلاق (Glide)، وبقائها في الهواء، في حالة فقدها للدفع لأي سبب. فالطائرة تستطيع التحليق والمناورة في حالة فقدها للمحرك، لكنها بلا أجنحة لا أمل لها بالبقاء[1].
والناظر لتاريخ الأجنحة يدرك مقدار الجهد المبذول لتحسين أدائها، والحفاظ عليها. فمن الأجنحة الخشبية المدعمة بالأسلاك والمغلفة بالقماش، في شكلها المزدوج، إلى الأجنحة الثخينة الفارغة، حتى الأجنة القوية المرنة. وحتى لا يأخذنا الحديث، سنحاول الدخول لموضوعنا من أقصر الطرق.




لماذا تتخذ بعض الأجنحة الشكل المتراجع (Swept Back wing)؟
بشكل مباشر يمكننا القول، إن الطائرات ذات الجناح المستقيم هي طائرات ذات سرعة بطيئة أو متوسطة، أما الطائرات ذات الأجنحة المتراجعة، فهي طائرات تتمتع بنطاق سرعة عالٍ يصل في بعضها إلى 0.8 من سرعة الصوت (Speed of Sound - Mach). وهنا نجد أن علامة استفهام ظهرت، لتقول: ما الخاصية التي تمنح الجناح المتراجع هذه الميزة في الوصول لسرعات تحليق عالية؟


بداية يصنف الجناح على إنه سطح تحكم ثابت (Fixed Control Surface)، بمعنى إنه سطح يقوم بالتحكم بالطائرة في وضعية الثبات، وهذا يجعل من اليسير الاستفادة منه، والعمل عليه. فلو أخذنا جناحاً مستقيماً ونظرنا إليه من قريب، لوجدنا إن الهواء خلال الطيران (أو حركة الجناح خلال الهواء) يكون في اتجاه المحور الطولي للطائرة (Longitudinal Axis)، وعموديا على المحور العرضي للطائرة (Lateral Axis)، بامتداد الأجنحة، لكن بالنسبة للجناح فإن الهواء يقطعه عرضيا في اتجاه الأضلاع (Rib). والنتيجة إن السرعة التي يواجه بها الجناح الهواء هي سرعة تحليق الطائرة (ذاتها)، وهي التي تُنتجُ قوة الرفع اللازمة.



والآن، ماذا لو سحبنا الجناح للخلف، وأسمينا الزاوية الناتجة عن سحب الجناح بزاوية التراجع (Swept Back Angle)، وطبقنا ذات الأمر. سنجد أن الجناح هنا لا يواجه الهواء بشكل مستقيم (أو قائم) وإن الهواء سيقطع مسافة أطول باتجاه الأضلاع. هذا يضطرنا لتحليل مركبة السرعة إلى مركبتين، وستكون النتيجة:
مركبة عمودية (V Cos a)، في مواجهة الجناح، وهي التي ينتج عنها الرفع، وتكون في اتجاه أضلاع الجناح.
مركبة موازية (V Sin a)، في اتجاه امتداد الجناح، باتجاه طرفه (Wing Tip).



وحيث إن جيب تمام الزاوية (جتا) أقل من واحد، للزوايا الأكبر من صفر، فإن قيمة السرعة التي يواجه بها الجناح الهواء (فعلياً) هي أقل من سرعة تحليق الطائرة، بالتالي يمكن للطائرة زيادة سرعتها.


فيما تفـيد هذه الخاصية؟
من المعلوم، إن قوة الرفع تنتج عن الفرق في الضغط أعلى وأسفل الجناح، ونعني ضغط الهواء أو ضغط سريان الهواء. فالضغط أسفل الجناح يكون أعلى، وبالتالي تكون سرعة سريان الهواء أقل، وعلى العكس منه، فإن الضغط أعلى الجناح يكون أقل، ونتيجة لذلك تكون سرعة الهواء عندها أعلى منها للسريان الهواء، وتعرف هذه الظاهرة بـرقم الماخ الحرج (Critical Mach Number)، وهو أقل مستوى لرقم الماخ بحيث يصل تيار الهواء المار فوق نطاق ما بالجناح إلى سرعة الصوت[2].

فلو افترضنا أن الطائرة تعمل عند سرعة تحليق 0.7 من سرعة الصوت، فإن الاحتمالية كبيرة جداً لأن تصل سرعة الهواء أعلى الجناح لسرعة الصوت (أو تتعداها)، الأمر الذي يؤثر سلباً على خصائص السريان أعلى الجناح مما يسبب اضطرابها وبالتالي فقد الجناح للرفع.
هذا الأمر يمكن تلافيه بسحب أو إرجاع الجناح للخلف، حيث تكون المركبة العمودية لسرعة السريان والمسئولة عن إنتاج الرفع أقل من سرعة التحليق، كون الزاوية أو جيب الزاوية سيجعل من قيمة السرعة (المركبة العمودية) أقل منها لسرعة السريان الحقيقية، بمعنى: لو كانت سرعة تحليق الطائرة هي 0.7 من سرعة الصوت -وهي ذاتها سرعة السريان-. وكانت زاوية تراجع الجناح 25 درجة زاوية.

فإن المركبة العمودية للسريان تكون (V Cos a) = سرعة السريان × جيب زاوية تراجع الجناح (جتا)
وبالتالي = 0.7 × جتا 25 = 0.63 من سرعة الصوت

هذه النتيجة تقودنا للقول : أنه بتراجع الجناح، تقل احتمالية حدوث موجة صدمية (Shock Wave)، وبالتالي يمكن للطائرة التحليق بسرعة أكبر. ولكن ما علاقة هذا كله بالسؤال عن جناح الطائرة SU-47.


الأجنحة المتقدمة (Forward-swept wing)
هنا قد يتساءل البعض، هل ثمة أجنحة متقدمة وأجنحة متراجعة؟
الإجابة ببساطة: نعم.
ثمة نوعان تصنف بهما الأجنحة التي تكون بزاوية على بدن الطائرة، وهنا لا نعني زاوية توضع الجناح (Incidence Angle)، إنما زاوية الجناح التي يثبت بها على الطائرة، أو الزاوية التي تمثل انسياب الجناح على البدن. وهو ما لفت السائل.




الصورة أعلاه، توضح الشكل العام للطائرة SU-47 والجناح المتقدم، الذي سُؤلـنا عنه. وتعتبر هذه الطائرة من المقاتلات القلائل التي صنعت بهذا الجناح، ونذكر إن أول من قام بتجربة هذا النوع من الأجنحة كان الاتحاد السوفيتي –سابقاً- عام 1948 من خلال النموذج OKB-1 EF 140.
ومن بعد قامت أكثر من شركة مصنعة بتجربة هذا النموذج. ولعل أشهرها الـ SU-47 التي انطلق نموذجها الأولي في 1997. أما بالنسبة للطائرات المدنية فهذا النوع لم يستخدم إلا في بعض النماذج، لطائرات صغيرة الحجم.

في العموم، الجناح المتقدم خرج كتصميم في العام 1936 على يد مهندس تصميم ألماني[3]، وهذا الشكل يقدم ذات خصائص الجناح المتراجع للخلف والتي وُضحت أعلاه، لكن هذه الوضعية تمتلك خاصيتان إضافيتان:



[4]





أولاهما، وهي إنشائية، إذ الجناح المتقدم يتطلب عند إنشائه أو تركيبه أن يكون متأخراً للخلف، مما يتيح مساحة أكبر لبدن الطائرة، ومن الممكن الاستفادة منها في تخزين الأسلحة في الطائرات العسكرية.


الثانية، أن هذا الشكل أو التصميم يجعل الهواء ينساب من طرف الجناح إلى داخل الجناح، قاعدة الجناح أو جذر الجناح (Wing Root) -كما في الصورة أعلاه-، هذا يقلل من تأثر الدوامات الطرفية للجناح (Wing tip Vortex)، مما يعني الحد من انهيار الجناح (Wing Stall) عند أطرافها وعند استخدام الجنيحات عند زاوية هجوم كبيرة (High Angle of Attack)، وهذا يجعل الجناح أكثر مرونة عند أداء المناورات خاصة عند بلوغ الطائرة لمرحلة سرعة الصوت الانتقالية (Transonic Speed).
_____________________
هوامش:
* هو الأخ S.S.Ali، صاحب مدونة: مجرد محاولة: http://myowntry.blogspot.com/
1- هنا لا ننكر تأثير أسطح الموازنة الأفقية (Horizontal Stabilizers)، لكن حديثنا موجه للأجنحة.
2- عن موقع موسوعة ويكبيديا الحرة-Critical Mach Number.
3- عن موسوعة ويكبيديا الحرة- Forward-swept wing.
4- المرجع السابق.

تعليقات

‏قال S.S.Ali
السلام عليكم

شكرا لك اخي العزيز على هذه المعلومات التي لم استطع الوصول اليها لعدم معرفتي التقنية في عالم الطيران مما صعب عليا البحث...

يعجبني الروس في قدرتهم على اختبار و تشغيل التصاميم الجريئة و لازلت اتذكر الانتينوف العملاقة ذات الستة محركات...

لدي سؤال اخر سيدي العزيز اذا سمحت لي , نظرا لحديثنا على شكل الطائرة و حركة الهواء على الاجنحة.. استغرب شكل طائرةاف-117 " الشبح" فتصميمها غريب و على حد علمي قد اتخذت هذا الشكل لتقليل ارتداد اشارات الرادار حتى يسهل عليها الاختفاء و التسلل, و لكن نظرا لقوانين الديناميكا الهوائية كيف لهذا الشكل المقاوم للهواء و الغريب بعض الشئ ان يجعل الطائرة تحلق؟؟ و كيف لمحركاتها ان تنجح في رفعها؟؟؟؟

شكرا لك و سعدت جدا بمطالعتك تدويناتك القيمة..

السلام عليكم
‏قال Libyan-AME
أخي الكريم التحية لك
ولا شكر على واجب، وسعيد أن الموضوع أعجبك، واستضاع أن يقدم الفائدة المرجوة.

ثانيا بخصوص الـF117 فإن هذه الطائرة تعتمد على تقنية الأسطع المستوية لتشتيت الموجات الرادارية عنها فلا يستطيع الرادار العادي اكتشافها، أما في حال وجود منظومة رادارات فإنه من السهل اكتشافها كما حدث في ألمانيا والعراق وغيرها من الدول.

أما بخصوص الشكل فببساطة الشكل العام للطائرة هو جناح مستوي، من السهل الحصول على رفع، أما بقية جسم الطائرة فهذا موضوع يحتاج لشرح طويل في طريق توزيع الأسطح.

مع تمنياتي بالتوفيق